السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

222

مختصر الميزان في تفسير القرآن

( السجدة / 44 ) . بين تعالى في هذه الآيات أن الجميع سائرون اليه سبحانه سيرا لا مناص لهم عنه ، غير أن طريق بعضهم قصير وفيه الرشد والفلاح ، وطريق آخرين طويل لا ينتهى إلى سعادة ، ولا يعود إلى سالكه إلا الهلاك والبوار . وبالجملة فالآية تقدر للمؤمنين وغيرهم طريقين اثنين ينتهيان إلى اللّه سبحانه ، وتأمر المؤمنين بأن يشتغلوا بأنفسهم وينصرفوا عن غيرهم وهم أهل الضلال من الناس ولا يقعوا فيهم ولا يخافوا ضلالهم فإنما حسابهم على ربهم لا على المؤمنين وليسوا بمسئولين عنهم حتى يهمهم أمرهم ؛ فالآية قريبة المضمون من قوله تعالى : قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( الجاثية / 14 ) ونظيرها قوله تعالى : تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ( البقرة / 134 ) . فعلى المؤمن أن يشتغل بما يهم نفسه من سلوك سبيل الهدى ، ولا يهزهزه ما يشاهده من ضلال الناس وشيوع المعاصي بينهم ولا يشغله ذلك ولا يشتغل بهم فالحق حق وإن ترك والباطل باطل وإن أخذ به كما قال تعالى : قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( المائدة / 100 ) وقال تعالى : وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ( حم السجدة / 34 ) . فقوله تعالى : لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ بناء على ما مر مسوق سوق الكناية أريد به نهي المؤمنين عن التأثر من ضلال من ضل من الناس فيحملهم ذلك على ترك طريق الهداية كأن يقولوا : إن الدنيا الحاضرة لا تساعد الدين ولا تبيح التنحل بالمعنويات فإنما ذلك من السنن الساذجة وقد مضى زمنه وانقرض أهله ، قال تعالى : وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا ( القصص / 57 ) .